الأحد، 22 مارس 2015

الرد على الفلاسفة القرامطة= والسماوات قديمة بقدم الله لم يزل الله والدا لها فهم مع قولهم بأن الله ولدها يقولون لم تزل معه وهذا أمر لا يعقل لا في الولد ولا في الفعل فكان قولهم مخالفا لما تعرفه العقول من جميع الجهات وسر الأمر أنهم جمعوا بين النقيضين فأثبتوا فعلا وصنعا وإبداعا من غير إبداع ولا صنع ولا فعل وقولهم في فعل الرب كقولهم في ذاته وصفاته فأثبتوا واجب الوجود ووصفوه بما يستلزم أن يكون ممتنع الوجود وأثبتوا صفاته وقالوا فيها ما يوجب نفي صفاته فهم دائما يجمعون في أقوالهم بين النقيضين وذلك أنهم في الأصل معطلة محضة ولكن أثبتوا ضربا من الإثبات وأرادوا أن يجمعوا بين الإثبات والتعطيل فلزمهم التناقض ولهذا يمتنعون من أن يوصف بنفي أو إثبات فمنهم من يقول لا يقال هو موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت وقد يقولون لا يقال هو موجود ولا يقال ليس بموجود ولا يقال هو حي ولا يقال ليس بحي فيرفعون النقيضين جميعا أو يمتنعون من إثبات أحد النقيضين ورفع النقيضين ممتنع كما أن جمع النقيضين ممتنع والامتناع من إثبات أحد النقيضين هو الإمساك عن النفي والإثبات والحق والباطل وذلك جهل وامتناع عن معرفة الحق والتكلم به ومدار ذلك على أن الله لا يعرف ولا يذكر ولا يمجد ولا يعبد وهو من أنواع السفسطة فإن السفسطة منها ما هو نفي للحق ومنها ما هو نفي للعلم به ومنها ما هو تجاهل وامتناع عن إثباته ونفيه ويسمى أصحاب هذا القول اللاأدرية لقولهم لا ندري كما قال فرعون وما رب العالمين ((سورة الشعراء).). متجاهلا أنه لا يعرفه وأنه منكور لا يعرف فخاطبة موسى بما بين له أنه أعرف من أن ينكر وأعظم من أن يجحد فقال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين ((سورة الشعراء).). وكذلك قالت الرسل لمن قال من قومهم إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم (سورة إبراهيم). إلى أمثال ذلك وهذا المقام مبسوط في موضعه ولكن نبهنا عليه هنا لاتصال الكلام به والمقصود هنا أنه إذا جوزنا حدوث الحوادث بلا سبب حادث امتنع القول بقدم العالم كما سنبين امتناع ذلك على القول بامتناع حدوث الحوادث بلا سبب فيلزم القول بامتناع قدمه على التقديرين فيلزم امتناع القول بقدمه على تقدير النقيضين وهو المطلوب وهذا التقدير الذي نريد أن نتكلم عليه وهو تقدير إمكان دوام الحوادث وتسلسلها وإمكان حوادث لا أول لها وعلى هذا القول فيمتنع حدوث حادث بلا سبب حادث بالضرورة واتفاق العقلاء فيما نعلم لأن ذلك ترجيح لأحد طرفي الممكن بلا مرجح تام مع إمكان المرجح التام وحدوث الحوادث بلا سبب حادث مع إمكان حدوث السبب الحادث دائما وهذا لم يقله أحد من العقلاء فيما نعلم وهو باطل لأن ذلك يقتضي ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وذلك لأنه إذا كان نسبة الحادث المعين إلى جميع الأوقات نسبة واحدة ونسبتها إلى قدرة الفاعل القديم وإرادته في جميع الأحوال نسبة واحدة والفاعل على حال واحدة لم يزل عليها كان من المعلوم بالضرورة أن تخصيص وقت بدون وقت بالإحداث ترجيح لأحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وأيضا فإذا قيل إن هذا جائز ونحن نتكلم على تقدير جواز دوام الحوادث جاز أن يريد حادثا بعد حادث لا إلى أول لا يقتضى أن يريد حادثا بعينه في الأزل لأن وجود الحادث المعين في الأزل محال بالضرورة واتفاق العقلاء فإن المحدث المعين لا يكون قديما إذ هذا جمع بين النقيضين وإنما النزاع في دوام نوع الحوادث لا في قدم حادث معين وفي الجملة فإذا قيل بجواز دوام الحوادث وأن نوعها قديم لم يقل إن نوعها حادث بعد أن لم يكن فإن ما جاز قدمه امتنع عدمه والمراد هنا الجواز الخارجي لا مجرد الجواز الذهني الذي هو عدم العلم بالامتناع فإن ذلك لا يدل على قدم شيء بخلاف الأول وهو العلم بإمكان قدمه لأنه إذا جاز قدمه لم يكن إلا لوجوبه بنفسه أو لصدوره عن واجب الوجود وعلى التقديرين فما كان واجبا بنفسه أو لازما للواجب بنفسه لزم كونه قديما وامتنع كونه معدوما لأن الواجب بنفسه يجب قدمه ويمتنع عدمه ويمتنع وجود الملزوم بدون اللازم فيجب قدم لوازمه ويمتنع عدمها وإذا قيل بجواز دوام الحوادث جاز قدم نوعها وإنما يجوز قدمها ويمتنع عدم نوعها إذا كان له موجب أزلي وحينئذ فيجب قدم نوعها ويمتنع عدم نوعها فلا يجب أن يكون بعض العالم أزليا ثم إنه يحدث فيه الحوادث مع القول بجواز دوامها بل يمتنع ذلك كما تقدم وهذه كلها مقدمات بينة لمن تدبرها وفهمها فتبين أنه لو كان شيء من العالم أزليا قديما للزم أن يكون فاعله موجبا بالذات ولو كان فاعل العالم موجبا بالذات لم يحدث في العالم شيء من الحوادث والحوادث فيه مشهودة فامتنع أن يكون فاعل العالم موجبا بذاته فامتنع أن يكون العالم قديما كما قاله أولئك الدهرية بل ويمتنع أيضا أن يكون المعين الذي هو مفعول الفاعل أزليا لا سيما مع العلم بأنه فاعل باختياره فيمتنع أن يكون في العالم شيء أزلي على هذا التقدير الذي هو تقدير إمكان الحوادث ودوامها وامتناع صدور الحوادث بلا سبب حادث وإذا قيل إن فاعل العالم قادر مختار كما هو مذهب المسلمين وسائر أهل الملل وأساطين الفلاسفة الذين كانوا قبل أرسطو فإنه لا بد أن يكون الفاعل المبدع مريدا لمفعولاته حين فعله لها كما قال تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (سورة النحل). ولا يكفي وجود إرادة قديمة تتناول جميع المتجددات بدون تجدد إرادة ذلك الحادث المعين لأنه على هذا التقدير يلزم جواز حدوث الحوادث بلا سبب حادث ونحن نتكلم على التقدير الآخر وهو امتناع حدوثها بدون سبب حادث وإذا كان على هذا التقدير لا بد من ثبوت الإرادة عند وجود المراد ولا بد من إرادة مقارنة للمراد مستلزمة له آمتنع أن يكون في الأزل إرادة يقارنها مرادها سواء كانت عامة لكل ما يصدر عنه أو كانت خاصة ببعض المفعولات فإن مرادها هو مفعول الرب وهذه الإرادة هي إرادة أن يفعل ومعلوم أن الشيء الذي يريد الفاعل أن يفعله لا يكون شيئا قديما أزليا لم يزل ولا يزال بل لا يكون إلا حادثا بعد أن لم يكن وهذا معلوم بضرورة العقل عند عامة العقلاء وهو متفق عليه عند نظار الأمم المسلمين وغير المسلمين وجماهير الفلاسفة الأولين والآخرين حتى ارسطو وأتباعه ولم ينازع في ذلك إلا شرذمة قليلة من المتفلسفة جوز بعضهم أن يكون مفعولا ممكنا وهو قديم أزلي كابن سينا وأمثاله وجوز بعضهم مع ذلك أن يكون مرادا وأما جماهير العقلاء فيقولون إن فساد كل من هذين القولين معلوم بضرورة العقل حتى المنتصرون لأرسطو وأتباعه كابن رشد الحفيد وغيره أنكروا كون الممكن يكون قديما أزليا على إخوانهم كابن سينا وبينوا أنهم خالفوا في هذا القول أرسطو وأتباعه وهو كما قال هؤلاء وكلام ارسطو بين في ذلك في مقالة اللام التي هي آخر كلامه في علم ما بعد الطبيعة وغير ذلك وأرسطو وقدماء أصحابه مع سائر العقلاء يقولون إن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثا كائنا بعد أن لم يكن والمفعول لا يكون إلا محدثا وهم إذا قالوا بقدم الأفلاك لم يقولوا إنها ممكنة ولا مفعولة ولا مخلوقة بل يقولون إنها تتحرك للتشبه بالعلة الأولى فهي محتاجة إلى العلة الأولى التي يسميها ابن سينا وأمثاله واجب الوجود من جهة أنه لا بد في حركتها من التشبه به فهو لها من جنس العلة الغائية لا أنه علة فاعلة لها عند أرسطو وذويه وهذا القول وإن كان من أعظم الأقوال كفرا وضلالا ومخالفة لما عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين ولهذا عدل متأخروا الفلاسفة عنه وأدعوا موجبا وموجبا كما زعمه ابن سينا وأمثاله وأساطين الفلاسفة قبل أرسطو لم يكونوا يقولون بقدم العالم بل كانوا مقرين بأن الأفلاك محدثة كائنة بعد أن لم تكن مع نزاع منتشر لهم في المادة فالمقصود هنا أن هؤلاء مع ما فيهم من الضلال لم يرضوا لأنفسهم أن يجعلوا الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه قديما أزليا بل قالوا إنه لا يكون إلا محدثا ولا رضوا لأنفسهم أن يقولوا إن المفعول المصنوع المبدع قديم أزلي ولا أن المراد الذي أراد الباري فعله هو قديم أزلي فإن فساد هذه الأقوال ظاهر في بداية العقول وإنما ألجأ إليها من قالها من متأخريهم ما التزموه من الأقوال المتناقضة التي ألجأتهم إليها كما أن كثيرا من أهل الكلام ألجأتهم أصول لهم فيها إلى أقوال يعلم فسادها بضرورة العقل مثل إرادة أو كلام لا في محل ومثل شيء واحد بالعين يكون حقائق متنوعة ومثل أمر سبق بعضه بعضا يكون قديم الأعيان لم يزل كل شيء منه قديما أزليا وأمثال ذلك وما يذكره الرازي وأمثاله في هذه المسألة وغيرها من إجماع الحكماء كدعواه إجماعهم على علة الافتقار هي الإمكان وأن الممكن المعلول يكون قديما أزليا فهو إنما يذكر ما وجده في كتب ابن سينا ويظن أن هذا إجماع الفلاسفة ولما كان كون المفعول لا يعقل إلا بعد العدم ظاهرا كان الفلاسفة يجعلون من جملة علل الفعل العدم ويجعلون العدم من جملة المبادىء وعندهم من جملة الأجناس العالية للأعراض أن يفعل وأن ينفعل ويعبرون عنهما بالفعل والانفعال فإذا قيل إن البارىء فعل شيئا من العالم لزم أن يقوم به أن يفعل وهو الفعل فيقوم به الصفات التي سموها الأعراض ولزم أن الفعل لا يكون إلا بعد عدم لا يكون مع كون المفعول قديما أزليا وقالوا لما كان ما يسمونه الحركة أو التغير أو الفعل محتاجا إلى العدم والعدم ليس بمحتاج إليه كان العدم مبدءا له بهذا الاعتبار ومرادهم أنه شرط في ذلك فإنه لا يكون حركة ولا فعل ونحو ذلك مما قد يسمونه تغيرا واستكمالا إلا بوجود بعد عدم إما عدم ما كان موجودا وإما عدم مستمر كعدم المستكمل ما كان معدوما له ثم حصل فإذن هذا المتغير والمستكمل والمتحرك والمفعول محتاج إلى العدم والعدم غير محتاج إليه فصار العدم مبدءا له بهذا الاعتبار ولهذا كان الفعل والانفعال المعروف في العالم إنما هو ما يحدث من تأثير الفاعل وتأثير الفعل لا يعقل فعل ولا انفعال بدون حدوث شيء بعد عدمثم هؤلاء الشذوذ من المتأخرين الذين زعموا أن الفعل لا يشترط فيه تقدم العدم قد ذكروا لهم حججا ذكرها ابن سينا وغيره من متأخريهم واستقصاها الرازي في مباحثه المشرقية وذكر في ذلك ما سماه عشرة براهين وكلها باطلة قال الأول المحتاج إلى العدم السابق إما أن يكون هو وجود الفعل وإما أن يكون هو تأثير الفاعل فيه ومحال أن يكون المفتقر إلى العدم السابق هو وجود الفعل لأن الفعل لو افتقر في وجوده إلى العدم لكان ذلك العدم مقارنا له والعدم المقارن مناف لذلك الوجود ومحال أن يكون المفتقر إليه تأثير الفاعل لأن تأثير الفاعل يجب أن يكون مقارنا للأثر ووجود الأثر ينافي عدمه والمنافي لما يجب أن يكون مقارنا يجب أن يكون منافيا والمنافي لا يكون شرطا فإذن لا الفعل في كونه موجودا ولا حاصلا ولا الفاعل في كونه مؤثرا يفتقر إلى العدم المنافى فيقال في الجواب إنه ليس المراد بكون المفعول أو فعل الفاعل مفتقرا إلى العدم أن العدم مؤثر فيه حتى يجب أن يكون مقارنا له بل المراد أنه لا يكون إلا بعد العدم كما قالوا هم إن العدم من جملة المبادىء سواء جعلوه مبدءا لمطلق الفعل أو الحركة أو الحركة والتغير والاستكمال فالمقصود أنهم جعلوا ذلك مفتقرا إلى العدم بمعنى أنه لا يكون إلا بعد عدم شيء لا بمعنى أن العدم مقارن له ومعلوم أنه إذا قيل إن الحركة لا تكون إلا شيئا بعد شيء أو الصوت كان الحادث من ذلك موقوفا على وجود ما قبله وإن لم يكن مقارنا له وأيضا فالشيء المعدوم إذا عدم بعد وجوده كان هذا العدم الحادث مفتقرا إلى ذلك الوجود السابق ولم يكن مقارنا له وأيضا فهذا الذي قاله يلزمه في كل ما يحدث فإن كل ما يحدث فإنما يحدث بعد عدمه فحدوثه متوقف على عدمه السابق لوجوده مع أن ذلك العدم ليس مقارنا له فإن طردوا حجتهم لزمهمأن لا يحدث حادث وهذه مكابرة وهذا شأنهم في عامة حججهم التي يذكرونها في قدم العالم فإن مقتضاها أن لا يحدث شيء وحدوث الحوادث في العالم مشهود فكانت حججهم مما يعلم أنها من جنس شبه السوفسطائية وهذا كحجتهم العظمى التي يحتجون بها على أنه مؤثر تام في الأزل وأن المؤثر التام يستلزم أثره فإن مقتضاها أن لا يحدث شيء وهم ضلوا حيث لم يفرقوا بين مطلق المؤثر وبين المؤثر في كل ممكن فإذا قالوا كونه مؤثرا إما أن يكون لذاته المخصوصة أو لأمر لازم لها أو لأمر منفصل عنها والثالث ممتنع لأن ذلك المنفصل هو من جملة آثاره فيمتنع أن يكون مؤثرا فيه لامتناع الدور في العلل وعلى الأول والثاني يلزم دوام كونه مؤثرا قيل لهم كونه مؤثرا يراد به أنه مؤثر في وجود كل ما صدر عنه ويراد به أنه مؤثر في شيء معين من العالم ويراد به أنه مؤثر في الجملة مثل أن يكون مؤثرا في شيء بعد شيء  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق