الرد على الفلاسفة العقلانية)الشيعة الاسماعلية) تلاميذة الفلاسفة الرومان=الذين يقولون إن الفاعل القادر يرجح أحد طرفي مقدورية على الآخر بلا مرجح وهذا باطل وإن وافقهم عليه بعض المثبتين للقدر وإما المثبتون للقدر المخالفون لهم في هذا الأصل فمنهم طائفة إذا تكلموا في مسائل القدر وخلق أفعال العباد قالوا إن القادر لا يرجح احد مقدورية على الآخر إلا بمرجح لكن إذا تكلموا في مسائل فعل الله وحدوث العالم والفرق بين الموجب والمختار ومناظرة الدهرية تجد كثيرا منهم يناظرهم مناظرة من قال من القدرية والجهمية المجبرة بأن الفاعل المختار يرجح أحد مقدورية بلا مرجح وبهذا ظهر اضطرابهم في هذه الأصول الكبار التي يدورون فيها بين أصول القدرية والجهمية المجبرة المعطلة لحقيقة الأمر والنهي والوعد والوعيد ولصفة الله في خلقه وأمره وبين أصول الفلاسفة الدهريه المشركين وإن كانوا من الصابئين فهم من الصابئين المشركين لا من الصابئين الحنفاء الذين أثنى عليهم القرآن فإن أولئك يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ويتخذون فيها الأصنام وهذا دين المشركين وهو دين أهل مقدونية وغيرها من مدائن هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركين والإسكندر الذي وزر له أرسطو هو الإسكندر بن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ له اليهود والنصارى وكان قبل المسيح عليه السلام بثلاثمائة عام ليس هو ذا القرنين المذكور في القرآن فإن هذا كان متقدما عليه وهو من الحنفاء وذاك هو ووزيره أرسطو كفار يقولون بالسحر والشرك ولهذا كانت الإسماعيلية أخذت ما يقوله هؤلاء في العقل والنفس وما تقوله المجوس من النور والظلمة فركبوا من ذلك ومن التشيع وعبروا عن ذلك بالسابق والتالي كما قد بسط في موضعه وأصل المشركين والمعطلة باطل وكذلك أصل المجوس والقدرية تخرج بعض الحوادث عن خلق الله وقدرته ويجعلون له شريكا في الملك وهؤلاء الدهرية شر منهم في ذلك فإن قولهم يستلزم إخراج جميع الحوادث عن خلق الله وقدرته وإثبات شركاء كثيرين له في الملك بل يستلزم تعطيل الصانع بالكلية ولهذا كان معلمهم الأول أرسطووأتباعه إنما يثبتون الأول الذي يسمونه العلة الأولى بالاستدلال بحركة الفلك فإنهم قالوا هي اختيارية شوقية فلا بد أن يكون لها محرك منفصل عنها وزعموا أن المتحرك بالإرادة لا بد له من محرك منفصل عنه وإن كان هذا قولا لا دليل عليه بل هو باطل قالوا والمحرك لها يحركها كما يحرك الإمام المقتدي به للمأموم المقتدي وقد يشبهونها بحركة المعشوق للعاشق فإن المحبوب المراد يتحرك إليه المحب المريد من غير حركة من المحبوب قالوا وذلك العشق هو عشق التشبه بالأول وهكذا وافقه متأخروهم كالفارابي وابن سينا وأمثالهما وهؤلاء كلهم يقولون إن سبب الحوادث في العالم إنما هو حركات الأفلاك وحركات الأفلاك حادثة عن تصورات حادثة وإرادات حادثة شيئا بعد شيء وإن كانت تابعة لتصور كلي وإرادة كلية كالرجل الذي يريد القصد إلى بلد معين مثل مكة مثلا فهذه إرادة كلية تتبع تصورا كليا ثم إنه لا بد أن يتجدد له تصورات لما يقطعه من المسافات وإرادات لقطع تلك المسافات فهكذا حركة الفلك عندهم لكن مراده الكلي هو التشبه بالأول ولهذا قالوا الفلسفة هي التشبه بالأول بحسب الإمكان فإذا كان الأمر كذلك عندهم فمعلوم أن العلة الغائية المنفصلة عن المعلول لا تكون هي العلة الفاعلة وإذا كان الفلك ممكنا متحركا بإرادته واختياره فلا بد من مبدع له أبدعه كله بذاته وصفاته وأفعاله كالإنسان ولا بد لهذه التصورات والإرادات والحركات الحادثة أن تنتهي إلى واجب بنفسه قديم تكون صادرة عنه سواء قيل إنها صادرة بوسط أو بغير وسط وهؤلاء لم يثبوا شيئا من ذلك بل لم يثبتوا إلا علة غائية للحركةفكان حقيقة قولهم أن جميع الحوادث من العالم العلوي والسفلى ليس لها فاعل يحدثها أصلا بل ولا لما يستلزم هذه الحوادث والعناصر وكل من أجزاء العالم مستلزم للحوادث ومن المعلوم في بدائه العقول أن الممكن المفتقر إلى غيره ممتنع وجوده بدون واجب الوجود وأن الحوادث يمتنع وجودها بدون محدث ومتأخروهم كابن سينا وأمثاله يسلمون أن العالم كله ممكن بنفسه ليس بواجب بنفسه ومن نازع في ذلك من غلاتهم فقوله معلوم الفساد بوجوه كثيرة فإن الفقر والحاجة لازمان لكل جزء من أجزاء العالم لا يقوم منه شيء إلا بشيء منفصل عنه وواجب الوجود مستغن عنه بنفسه لا يفتقر إلى غيره بوجه من الوجوه وليس في العالم شيء يكون هو وحده محدثا لشيء من الحوادث وكل من الأفلاك له حركة تخصه ليست حركته عن حركة الأعلى حتى يقال أن الأعلى هو المحدث لجميع الحركات ولا في الوجود شيء حادث عن سبب بعينه لا عن حركة الشمس ولا القمر ولا الأفلاك ولا العقل الفعال ولا شيء مما يظن بل أي جزء من العالم اعتبرته وجدته لا يستقل بإحداث شيء ووجدته إذا كان له أثر في شيء كالسخونة التي تكون للشمس مثلا فله مشاركون في ذلك الشيء بعينه كالفاكهة التي للشمس مثلا أثر في إنضاجها ثم إيباسها وتغيير ألوانها ونحو ذلك لا يكون إلا بمشاركة من الماء والهواء والتربة وغير ذلك من الأسباب ثم كل من هذه الأسباب لا يتميز أثره عن أثر الآخر بل هما متلازمان فإذا قالوا العقل الفعال للفعل خلع عليه صورة عند استعداده و بالامتزاج قبل الصورة مثلا كالطين الذي يحدث فيه عن امتزاج الماء والتراب أثر ملازم لهذا الامتزاج لا يمكن وجود أحدهما دون الآخر فإذا كان المؤثر فيهما اثنين لزم أن يكونا متلازمين لامتناعوجود أثر أحدهما دون الآخر ويمتنع اثنان متلازمان كل منهما واجب الوجود لأن واجب الوجود لا يكون وجوده مشروطا بوجود غيره ولا تأثيره مشروطا بتأثير غيره إذ لو كان كذلك لكان مفتقرا إلى غيره فلا يكون واجبا بنفسه غنيا عما سواه فكل ما افتقر إلى غيره في نفسه أو شيء من صفاته أو أفعاله لا يكون مستغنيا بنفسه بل يكون مفتقرا إلى غيره ومن كان فقيرا إلى غيره ولو بوجه لم يكن غناه ثابتا له بنفسه وقد علم بالاضطرار أنه لا بد من وجود غنى بنفسه عما سواه من كل وجه فإن الموجود إما ممكن وإما واجب والممكن لا بد له من واجب فثبت وجود الواجب على التقديرين وكذلك يقال للوجود إما محدث وإما قديم والمحدث لا بد له من قديم فثبت وجود القديم على التقديرين وكذلك يقال إما فقير وإما غني والفقير لا بد له من غنى فثبت وجود الغنى على التقديرين وكذلك يقال الموجود إما قيوم وإما غير قيوم وغير القيوم لا بد له من قيوم فثبت وجود القيوم على التقديرين وكذلك يقال إما مخلوق وإما غير مخلوق والمخلوق لا بد له من خالق غير المخلوق فثبت وجود الموجود الذي ليس بمخلوق على التقديرين ثم ذلك الموجود الواجب بنفسه القديم الغني بنفسه القيوم الخالق الذي ليس بمخلوق يمتنع أن يكون مفتقرا إلى غيره بجهة من الجهات فإنه إن افتقر إلى مفعوله ومفعوله مفتقر إليه لزم الدور في المؤثرات وإن افتقر إلى غيره وذلك الغير مفتقر إلى غيره لزم التسلسل في المؤثرات وكل من هذين معلوم البطلان بصريح العقل واتفاق العقلاء فإن امتنع أن يكون فاعلا لنفسه فهو يمتنع أن يكون فاعلا لفاعل بنفسه بطريق الأولى وسواء عبر بلفظ الفاعل أو الصانع أو الخالق أو العلة أو المبدأ أو المؤثر فالدليل يصح بجميع هذه العبارات وكذلك يمتنع تقدير مفعولات ليس فيها فاعل غير مفعول وهو تقدير آثار ليس فيها مؤثر وتقدير ممكنات ليس فيها واجب بنفسه فإن كل واحد من ذلك ممكن فقير ومجموعها مفتقر إلى كل من آحادها فهو أيضا فقير ممكن وكلما زادت السلسلة زاد الفقر والاحتياج وهو في الحقيقة تقدير معدومات لا تتناهى فإن كثرتها لا تخرجها عن كونها معدومات فيمتنع أن يكون فيها موجود وهذا كله مبسوط في موضعه والمقصود هنا أنه لا بد من وجود الموجود الغني القديم الواجب بنفسه الغني عما سواه من كل وجه بحيث لا يكون مفتقرا إلى غيره بوجه من الوجوه وكل ما في العالم فهو مفتقر إلى غيره والفقر ظاهر في كل جزء من العالم لمن تدبره لا يحدث شيئا بنفسه ألبتة بل لا يستغنى بنفسه ألبتة فيمتنع أن يكون واجب الوجود فلا بد أن يكون الواجب القيوم الغني مباينا للعالم ويجب أن يثبت له كل كمال ممكن الوجود لا نقص فيه فإنه إن لم يتصف به لكان الكمال إما ممتنعا عليه وهو محال لأن التقدير أنه ممكن الوجود ولأن الممكنات متصفة بكمالات عظيمة والخالق أحق بالكمال من المخلوق والقديم أحق به من الحادث والواجب أحق به من الممكن لأنه أكمل وجودا منه والأكمل أحق بالكمال من غير الأكمل ولأن كمال المخلوق من الخالق فخالق الكمال أحق بالكمال وهم يقولون كمال المعلول من كمال العلة وإذا لم يكن الكمال ممتنعا عليه فلا بد أن يكون واجبا له إذ لو كان ممكنا غير واجب ولا ممتنع لافتقر في ثبوته له إلى غيره وما كان كذلك لم يكن واجب الوجود بنفسه فما أمكن له من الكمال فهو واجب له ويمتنع أن يكون مفعوله مقارنا له أزليا معه لوجوه أحدها أن مفعوله مستلزم للحوادث لا ينفك عنها وما يستلزم الحوادث يمتنع أن يكون معلولا لعلة تامة أزلية فإن معلول العلة التامة الأزلية لا يتأخر منه شيء ولو تأخر منه شيء لكانت علة بالقوة لا بالفعل ولافتقرت في كونها فاعلة له إلى شيء منفصل عنها وذلك ممتنع فوجب أن يكون مفعولا له لا يكون عنه إلا شيئا بعد شيء فكل ما هو مفعول له فهو حادث بعد أن لم يكن ولأن كونه مقارنا له في الأزل يمنع كونه مفعولا له فإن كون الشيء مفعولا مقارنا ممتنع عقلا ولا يعقل في الموجودات شيء معين هو علة تامة لمعلول مباين لهأصلا بل كل ما يقال إنه علة إما أن يكون تأثيره متوقفا على غيره فلا تكون تامة وإما أن لا يكون مباينا له على رأي من يقول العلم علة للعالمية عند من يثبت الأحوال وإلا فجمهور الناس يقولون العلم هو العالمية وأما إذا قيل الذات موجبة للصفات أو علة لها فليس لها في الحقيقة فعل ولا تأثير أصلا وإما إذا قدر شيء مؤثر في غيره وقدر أنهما متقارنان متساويان لم يسبق أحدهما الآخر سبقا زمانيا فهذا لا يعقل أصلا وأيضا فكونه متقدما على غيره من كل وجه صفة كمال إذ المتقدم على غيره من كل وجه أكمل ممن يتقدم من وجه دون وجه وإذا قيل الفعل أو تقدير الفعل لا يجوز أن يكون له ابتداء أو غير ذلك كالحركة أو الزمان قيل إن كان هذا باطلا فقد اندفع وإن كان صحيحا فالمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود وحينئذ فإذا كان النوع دائما فالممكن والأكمل هو التقدم على كل فرد من الأفراد بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه وأما دوام الفعل فهو أيضا من الكمال فإن الفعل إذا كان صفة كمال فداوحه دوام الكمال وإن لم يكن صفة كمال لم يجب دوامه فعلى التقديرين لا يكون شيء من العالم قديما معه والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع وإنما كان المقصود هنا التنبيه على مآخذ المسلمين في مسألة التعليل فالمجوزون للتعليل يقولون الذي دل عليه الشرع والعقل أن كل ما سوى الله محدث كائن بعد أن لم يكن وأما كون الرب لم يزل معطلا عن الفعل ثم فعل فهذا ليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته بل كلاهما يدل على نقيضه وإذا عرف الفرق بين نوع الحوادث وبين أعيانها وعلم الفرق بين قول المسلمين وأهل الملل وأساطين الفلاسفة الذين يقولون بحدوث كل واحد واحد من العالم العلوي والسفلي وبين قول أرسطو وأتباعه الذين يقولون بقدم الأفلاك والعناصر تبين ما في هذا الباب من الخطأ والصواب وهو من أجل المعارف وأعلى العلوم فهذا جواب من يقول بالتعليل لمن احتج عليه بالتسلسل في الآثار وأما حجة الاستكمال فقالوا الممتنع أن يكون الرب تعالى مفتقرا إلى غيره أو أن يكون ناقصا في الأزل عن كمال يمكن وجوده في الأزل كالحياة والعلم وإذا كان هو القادر الفاعل لكل شيء لم يكن محتاجا إلى غيره بوجه من الوجوه بل العلل المفعولة هي مقدورة ومرادة له والله تعالى يلهم عباده الدعاء ويجيبهم ويلهمهم التوبة ويفرح بتوبتهم إذا تابوا ويلهمهم العمل ويثيبهم إذا عملوا ولا يقال إن المخلوق أثر في الخالق أو جعله فاعلا للإجابة والإثابه والفرح بتوبتهم فإنه سبحانه هو الخالق لذلك كله له الملك وله الحمد شريك له في شيء من ذلك ولا يفتقر فيه إلى غيره والحوادث التي لا يمكن وجودها إلا متعاقبة لا يكون عدمها في الأزل نقصا قالوا وأما قولهم هذا يستلزم قيام الحوادث به فيقال أولا هذا قول من هم من أكبر شيوخ المعتزلة والشيعة كهشام بن الحكم وأبي الحسين البصري ومن تبعهما وهو لازم لسائرهم والشيعة المتأخرون أتباع المعتزلة البصريين في هذا الباب هم والمعتزلة البصريون يقولون إنه صار مدركا بعد أن لم يكن لأنالإدراك عندهم كالسمع والبصر إنما يتعلق بالموجود وهم يقولون صار مريدا بعد أن لم يكن وأما البغداديون فإنهم وإن أنكروا الإدراك والأرادة فهم يقولون صار فاعلا بعد أن لم يكن قالوا وهذا قول بتجدد أحكام له وأحوال ولهذا قيل إن هذه المسألة تلزم سائر الطوائف حتى الفلاسفة وقد قال بها من أساطينهم الأولين وفضلائهم المتأخرين غير واحد ويقال إن الأساطين الذين كانوا قبل أرسطو أو كثير منهم كانوا يقولون بها وقال بها أبو البركات صاحب المعتبر وغيره وهو قول طوائف من أهل الكلام من المرجئة والشيعة والكرامية وغيرهم كأبي معاذ التومني والهشامين وأما جمهور أهل السنة والحديث فإنهم يقولون بها أو بمعناها وإن كان منهم من لا يختار إلا أن يطلق الألفاظ الشرعية ومنهم من يعبر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق