الرد على الفلاسفة العقلانية الشيعة تلاميذة الرومان واليونان=بالذات بهذا الاعتبار يستلزم موجبه ومقتضاه فلو كان مبدع العالم موجبا بالذات بهذا التفسير لزم أن لا يحدث في العالم شيء وهو خلاف المشاهدة فقولهم بالموجب بالذات يستلزم نفي صفاته ونفي أفعاله ونفي حدوث شيء من العالم وهذا كله معلوم البطلان وأبطل من ذلك أنهم جعلوه واحدا بسيطا وقالوا إنه لا يصدر عنه إلا واحد ثم احتالوا في صدور الكثرة عنه بحيل تدل على عظيم حيرتهم وجهلهم بهذا الباب كقولهم إن الصادر الأول هو العقل الأول وهو موجود واجب بغيره ممكن بنفسه ففيه ثلاث جهات فصدر عنه باعتبار وجوبه عقل آخر وباعتبار وجوده نفس وباعتبار إمكانه فلك وربما قالوا وباعتبار وجوده صورة الفلك وباعتبار إمكانه مادته وهم متنازعون في النفس الفلكية هل هي جوهر مفارق له أم عرض قائم به ولهذا أطنب الناس في بيان فساد كلامهم وذلك أن هذا الواحد الذي فرضوه لا يتصور وجوده إلا في الأذهان لا في الأعيان ثم قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد قضية كلية وهم لو علموا ثبوتها في بعض الصور لم يلزم أن تكون كلية إلا بقياس التمثيل فكيف وهم لا يعلمون واحدا صدر عنه شيء وما يمثلون به من صدور التسخين عن النار والتبريد عن الماء باطل فإن تلك الآثار لا تصدر إلا عن شيئين فاعل وقابل والأول تعالى كل ما سواه صادر عنه ليس هناك قابل موجود وإن قالوا الماهيات الثابتة في الخارج الغنية عن الفاعل هي القابل كان هذا باطلا من وجوه منها أن هذا بناء على أصلهم الفاسد وهو إثبات ماهيات موجودة في الخارج مغايرة للأعيان الموجودة وهذا باطل قطعا وما يذكرونه من أن المثلث يتصور قبل أن يعلم وجوده لا يدل على ثبوت المثلث في الخارج بل يدل على ثبوته في الذهن ولا ريب في حصول الفرق بين ما في الأذهان وما في الأعيان ومن هنا كثر غلطهم فإنهم تصوروا أمورا في الأذهان فظنوا ثبوتها في الأعيان كالعقول والماهيات الكلية والهيولي ونحو ذلك ومنها أن الماهيات هي بحسب ما يوجد فكل ما وجد له عندهم ماهية كما يقوله من يقول إن المعدوم شيء من المعتزلة والشيعة فلا يجوز قصر الموجودات على أمور لتوهم أنه لا ماهية تقبل الوجود غيرها ومنها أن يقال الماهيات الممكنة في نفسها لا نهاية لها ومنها أن يقال الواحد المشهود الذي تصدر عنه الآثار له قوابل موجودة والباري تعالى هو المبدع لوجود كل ما سواه فلا يعلم أمر صادر عن ممكن إلا عن شيئين فصاعدا مع أنه قد يكون هناك مانع يمنع التأثير وليس في الموجودات ما يصدر عنه وحده شيء إلا الله تعالى فقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد قضية كلية إن أدرجوا فيها ما سوى الله فذاك لا يصدر عنه وحده شيء وإن لم يريدوا بها إلا الله وحده فهذا محل النزاع وموضع الدليل فكيف يكون المدلول عليه هو الدليل وذلك الواحد لا يعلمون حقيقته ولا كيفية الصدور عنه وأيضا فالواحد الذي يثبتونه هو وجود مجرد عن الصفات الثبوتية عن بعضهم كابن سينا وأتباعه أو عن الثبوتيه والسلبية عند بعضهم وهذا لا حقيقة له في الخارج بل يمتنع تحققه في الخارج وإنما هو أمر يقدر في الأذهان كما تقدر الممتنعات ولهذا كان ما ذكره ابن سينا في هذا الباب مما نازعه فيه ابن رشد وغيره من الفلاسفة وقالوا إن هذا ليس هو قول أئمة الفلاسفة وإنما ابن سينا وأمثاله أحدثوه ولهذا لم يعتمد عليه أبو البركات صاحب المعتبرة وهو من أقرب هؤلاء إلى اتباع الحجة الصحيحة بحسب نظره والعدول عن تقليد سلفهم مع أن أصل آمرهم وحكمتهم أن العقليات لا تقليد فيها وأيضا فإذا لم يصدر عنه إلا واحد كما يقولونه في العقل الأول فذلك الصادر الأول إن كان واحدا من كل وجه لزم أن لا يصدر عنه إلا واحد وهلم جرا وإن كان فيه كثرة ما بوجه من الوجوه والكثرة وجودية كان قد صدر عن الأول أكثر من واحد وإن كانت عدمية لم يصدر عنها وجود فلا يصدر عن الصادر الأول واحد وأما احتجاجهم على ذلك بقولهم لو صدر عنه شيئان لكان مصدر هذا غير مصدر ذلك ولزم التركيب فيقال أولا ليس الصدور عن الباري كصدور الحرارة عن النار بل هو فاعل بالمشيئته والاختيار ولو قدر تعدد المصدر فهو تعدد أمور إضافية وتعدد الإضافات والسلوب ثابتة له بالاتفاق ولو فرض أنه تعدد صفات فهذا يستلزم القول بثبوت الصفات وهذا حق وقولهم إن هذا تركيب والتركيب ممتنع قد بينا فساده بوجوه كثيرة في غير هذا الموضع وبينا أن لفظ التركيب والافتقار والجزء والغير ألفاظ مشتركة مجملة وأنها لا تلزم بالمعنى الذي دل الدليل على نفيه وإنما تلزم بالمعنى الذي لا ينفيه الدليل بل يثبته الدليل والمقصود هنا أن الموجب بالذات إذا فسر بهذا فهو باطل وأما إذا فسر الموجب بالذات بأنه الذي يوجب مفعوله بمشيئته وقدرته لم يكن هذا المعنى منافيا لكونه فاعلا بالاختيار بل يكون فاعلا بالاختيار موجبا بذاته التي هي فاعل قادر مختار وهو موجب بمشيئته وقدرته وإذا تبين أن الموجب بالذات يحتمل معنيين أحدهما لا ينافى كونه فاعلا بمشيئته وقدرته والآخر ينافي كونه فاعلا بمشيئته وقدرته فمن قال القادر لا يفعل إلا على وجه الجواز كما يقوله من يقوله من القدرية والجهمي يجعل الفعل بالاختيار منافيا للإيجاب لا يجامعه بوجه من الوجوه ويقولون إن القادر المختار لا يكون قادرا مختارا إلا إذا فعل على وجه الجواز لا على وجه الوجوبوالجمهور من أهل السنة وغيرهم يقولون القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل لكنه إذا شاء أن يفعل مع قدرته لزم وجود فعله فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإنه قادر على ما يشاء ومع القدرة التامة والمشيئة الجازمة يجب وجود الفعل ولهذا صارت الأقوال ثلاثة فالفلاسفة يقولون بالموجب بالذات المجردة عن الصفات أو الموصوف بالصفات الذي يجب أن يقارنه موجبه المعين أزلا وأبدا والقدرية من المعتزلة وغيرهم من الجهمية ومن وافقهم من غيرهم يقولون بالفاعل المختار الذي يفعل على وجه الجواز لا على وجه الوجوب ثم منهم من يقول يفعل لا بإرادة بل المريد عندهم هو الفاعل العالم ومنهم من يقول بحدوث الإرادة وما يحدثه من إرادة أو فعل فهو يحدثه بمجرد القدرة فإن القادر عندهم يرجح بلا مرجح ثم القدرية من هؤلاء يقولون يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد وقد يشاء ما لا يكون ويكون مالا يشاء بخلاف المجبرة والجمهور من أهل السنة وغيرهم المثبتين للقدر والصفات يقولون إنه فاعل بالاختيار وإذا شاء شيئا كان وإرادته وقدرته من لوازم ذاته سواء قالوا بإرادة واحدة قديمة أو بإرادات متعاقبة أو بإرادات قديمة تستوجب حدوث إرادات أخر فعلى كل قول من هذه الأقوال الثلاثة يجب عندهم وجود مراده وإذا فسر الإيجاب بالذات بهذا المعنى كان النزاع لفظيا فالدليل الذي ذكرناه يمكن تصوره بلفظ الموجب بالذات ولفظ العلة والمعلول ولفظ المؤثر والأثر ولفظ الفاعل المختار وهو بجميع هذه العبارات يبين امتناع قدم شئ من العالم ووجوب حدوث كل ما سوى الله وهنا أمر آخر وهو أن الناس تنازعوا في الفاعل المختار هل يجب أن تكون إرادته قبل الفعل ويمتنع مقارنتها له أم يجب مقارنة إرادته التي هي القصد للفعل وما يتقدم الفعل يكون عزما لا قصدا أم يجوز كل من الأمرين على ثلاثة أقوال ونحن قد بينا وجوب حدوث كل ما سوى الله على كل قول من الأقوال الثلاثة قول من يوجب المقارنة وقول من يقول بأن المقارنة ممتنعة وقول من يجوز الأمرين وكذلك تنازعوا في القدرة هل يجب مقارنتها للمقدور ويمتنع تقديمها أم يجب تقدمها على المقدور ويمتنع مقارنتها أم تتصف بالتقدم والمقارنة على ثلاثة أقوال أيضا وفصل الخطاب أن الإرادة الجازمة مع القدرة التامة مستلزمة للفعل ومقارنة له فلا يكون الفعل بمجرد قدرة متقدمة غير مقارنة ولا بمجرد إرادة متقدمة غير مقارنة بل لا بد عند وجود الأثر من وجود المؤثر التام ولا يكون الفعل بفاعل معدوم حين الفعل ولا بقدرة معدومة حين الفعل ولا بإرادة معدومة حين الفعل وقبل الفعل لا تجتمع الإرادة الجازمة والقدرة التامة فإن ذلك مستلزم للفعل فلا يوجد إلا مع الفعل لكن قد يوجد قبل الفعل قدرة بلا إرادة وإرادة بلا قدرة كما قد يوجد عزم على أن يفعل فإذا حضر وقت الفعل قوي العزم فصار قصدا فتكون الإرادة حين الفعل أكمل مما كانت قبله وكذلك القدرة حين الفعل أكمل مما كانت قبله وبهذا كان العبد قادرا قبل الفعل القدرة المشروطة في الأمر التي بها يفارق العاجز كما قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم (سورة التغابن). وقوله ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا (سورة آل عمران). وقوله فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (سورة المجادلة). فإن هذه الاستطاعة لو لم تكن إلا مقارنة للفعل لم يجب الحج على من لم يحج ولا وجب على من لم يتق الله أن يتقي الله ولكان كل من لم يصم الشهرين المتتابعين غير مستطيع للصيام وهذا كله خلاف هذه النصوص وخلاف إجماع المسلمين فمن نفى هذه القدرة من المثبتين للقدر وزعم أن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل فقد بالغ في مناقضة القدرية الذين يقولون لا تكون الاستطاعة إلا قبل الفعل فإن هؤلاء أخطأوا حيث زعموا ذلك وقالوا إن كل ما يقدر به العبد على الإيمان والطاعة فقد سوى الله فيه بين المؤمن والكافر بل سوى بينهما في كل ما يمكن أن يعطيه للعبد مما به يؤمن ويطيع وهذا القول فاسد قطعا فإنه لو كانا متساويين في جميع أسباب الفعل لكان اختصاص أحدهما بالفعل دون الآخر ترجيحا لأحد المتماثلين على الآخر من غير مرجح وهذا هو أصل هؤلاء القدرية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق