الأحد، 5 أبريل 2015

الرد على الفلاسفة)الاسماء والصفات) منهاج السنة)=معينا لهذا كما لا يكون الشيء معينا لنفسه بطريق الأولى فالقدرة التي بها يفعل الفاعل لا تكون حاصلة بالقدرة التي يفعل بها الفاعل الآخر بل إما أن تكون من لوازم ذاته وهي قدرة الله تعالى أو تكون حاصلة بقدرة غيره كقدرة العبد فإذا قدر ربان متعاونان لا يفعل أحدهما حتى يعينه الآخر لم يكن أحدهما قادرا على الفعل بقدرة لازمة لذاته ولا يمكن أن تكون قدرته حاصلة من الآخر لأن الآخر لا يجعله قادرا حتى يكون هو قادرا فإذا لم تكن قدرة واحد منهما من نفسه لم يكن لأحدهما قدرة بحال فتبين امتناع كون العالم له ربان وتبين امتناع كون واجب الوجود له كمال يستفيده من غيره وتبين امتناع أن يؤثر في واجب الوجود غيره وهو سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه وذلك الكمال لازم له لأن الكمال الذي يكون كمالا للموجود إما أن يكون واجبا له أو ممتنعا عليه أو جائزا عليه فإن كان واجبا له فهو المطلوب وإن كان ممتنعا لزم أن يكون الكمال الذي للموجود ممكنا للممكن ممتنعا على الواجب فيكون الممكن أكمل من الواجب وأيضا فالممكنات فيها كمالات موجودة وهي من الواجب بنفسه والمبدع للكمال المعطى له الخالق له أحق بالكمال إذ الكمال إما وجود وإما كمال وجود ومن أبدع الموجود كان أحق بأن يكون موجودا إذ                                                                                                    المعدوم لا يكون مؤثرا في الموجود وهذا كله معلوم فتبين أن الكمال ليس ممتنعا عليه وإذا كان جائزا أن يحصل وجائزا أن لا يحصل لم يكن حاصلا إلا بسبب آخر فيكون واجب الوجود مفتقرا في كماله إلى غيره وقد تبين بطلان هذا أيضا فتبين أن الكمال لازم لواجب الوجود واجب له يمتنع سلب الكمال عنه والكمال أمور وجودية فالأمور العدمية لا تكون كمالا إلا إذا تضمنت أمورا وجودية إذ العدم المحض ليس بشيء فضلا عن أن يكون كمالا فإن الله سبحانه إذا ذكر ما يذكره من تنزيهه ونفى النقائص عنه ذكر ذلك في سياق إثبات صفات الكمال له كقوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم (سورة البقرة). فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيومية وهذه من صفات الكمال وكذلك قوله لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ((سورة سبأ).). فإن نفى عزوب ذلك عنه يتضمن علمه به وعلمه به من صفات الكمال وكذلك قوله ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (سورة ق). فتنزيهه لنفسه عن مس اللغوب يقتضى كمال قدرته والقدرة من صفات الكمال فتنزيهه يتضمن كمال حياته وقيامه وعلمه وقدرته وهكذا نظائر ذلك فالرب تعالى موصوف بصفات الكمال التي لا غاية فوقها إذ كل غاية تفرض كمالا إما أن تكون واجبة له أو ممكنة أو ممتنعة والقسمان                                                                                                  لأخيران باطلان فوجب الأول فهو منزه عن النقص وعن مساواة شيء من الأشياء له في صفات الكمال بل هذه المساواة هي من النقص أيضا وذلك لأن المتماثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه فلو قدر أنه ماثل شيئا في شيء من الأشياء للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع على ذلك الشيء وكل ما سواه ممكن قابل للعدم بل معدوم مفتقر إلى فاعل وهو مصنوع مربوب محدث فلو ماثل غيره في شيء من الأشياء للزم أن يكون هو والشيء الذي ماثله فيه ممكنا قابلا للعدم بل معدوما مفتقرا إلى فاعل مصنوعا مربوبا محدثا وقد تبين أن كماله لازم لذاته لا يمكن أن يكون مفتقرا فيه إلى غيره فضلا عن أن يكون ممكنا أو مصنوعا أو محدثا فلو قدر مماثلة غيره له في شيء من الأشياء للزم كون الشيء الواحد موجودا معدوما ممكنا واجبا قديما محدثا وهذا جمع بين النقيضين فالرب تعالى مستحق للكمال على وجه التفصيل كما أخبرت به الرسل فإن الله تعالى أخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير وأنه عليم قدير عزيز حكيم غفور رحيم ودود مجيد وأنه يحب المتقين والمحسنين والصابرين ويرضى عن الذين                                                                                                                     آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وناداه وناجاه إلى غير ذلك مما جاء به الكتاب والسنة وقال في التنزيه ليس كمثله شيء (سورة الشورى). هل تعلم له سميا (سورة مريم). فلا تضربوا لله الأمثال (سورة النحل). ولم يكن له كفوا أحد فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (سورة البقرة). فنزه نفسه عن النظير باسم الكفء والمثل والند والسمى وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وكتبنا رسالة مفردة في قوله ليس كمثله شيء وما فيها من الأسرار والمعاني الشريفة فهذه طريقة الرسل وأتباعهم من سلف الأمة وأئمتها إثبات مفصل ونفي مجمل إثبات صفات الكمال على وجه التفصيل ونفي النقص والتمثيل كما دل على ذلك سورة قل هو الله أحد الله الصمد وهي تعدل ثلث القرآن كما ثبت ذلك في الحديثالصحيح وقد كتبنا تصنيفا مفردا في تفسيرها وآخر في كونها تعدل ثلث القرآن فاسمه الصمد يتضمن صفات الكمال كما روى الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال هو العليم الذي كمل في علمه والقدير الذي كمل في قدرته والسيد الذي الذي كمل في سؤدده والشريف الذي كمل في شرفه والعظيم الذي كمل في عظمته والحليم الذي كمل في حلمه والحكيم الذي كمل في حكمته وهو الذي كمل في أنواع الشرف والسؤدد هو الله سبحانه وتعالى هذه صفته لا تنبغي إلا له والأحد يتضمن نفي المثل عنه والتنزيه الذي يستحقه الرب                                                                                             يجمعه نوعان أحدهما نفي النقص عنه والثاني نفى مماثلة شيء من الأشياء فيما يستحقه من صفات الكمال فإثبات صفات الكمال له مع نفى مماثلة غيره له يجمع ذلك كما دلت عليه هذه السورة وأما المخالفون لهم من المشركين والصابئة ومن اتبعهم من الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ونحوهم فطريقتهم نفى مفصل وإثبات مجمل ينفون صفات الكمال ويثبتون ما لا يوجد إلا في الخيال فيقولون ليس بكذا ولا كذا فمنهم من يقول ليس له صفة ثبوتية بل إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما كما يقوله من يقوله من الصابئة والفلاسفة كابن سينا وأمثاله ويقول هو وجود مطلق بشرط سلب الأمور الثبوتية عنه ومنهم من يقول وجود مطلق بشرط الإطلاق وقد قرروا في منطقهم ما هو معلوم بالعقل الصريح أن المطلق بشرط الإطلاق إنما وجوده في الأذهان لا في الأعيان فلا يتصور في الخارج حيوان مطلق بشرط الإطلاق ولا إنسان مطلق بشرط الإطلاق ولا جسم مطلق بشرط الإطلاق فيبقى واجب الوجود ممتنع الوجود في الخارج وهذا مع أنه تعطيل وجهل وكفر فهو جمع بين النقيضين ومن قال مطلق بشرط سلب الأمور الثبوتية فهذا أبعد من المطلق بشرط الإطلاق فإن هذا قيده بسلب الأمور الوجودية دونالعدمية وهذا أولى بالعدم مما قيد بسلب الأمور الوجودية والعدمية وهو أيضا أبلغ في الإمتناع فإن الموجود المشارك لغيره في الوجود لا يمتاز عنه بوصف عدمي بل بأمر وجودي فإذا قدر وجود لا يتمير عن غيره إلا بعدم كان أبلغ في الإمتناع من وجود يتميز بسلب الوجود والعدم وأيضا فإن هذا يشارك سائر الموجودات في مسمى الوجود ويمتاز عنها بالعدم وهي تمتاز عنه بالوجود فيكون على قول هؤلاء أي موجود من الممكنات قدر فهو أكمل من الواجب وهذا في غاية الفساد والكفر وإن قالوا هو مطلق لا بشرط كما يقوله الصدر القونوي وأمثاله                                                                                                           من القائلين بوحدة الوجود فالمطلق لا بشرط هو موضوع العلم الإلهي عندهم الذي هو الحكمة العليا والفلسفة الأولى عندهم فإن الوجود المطلق لا بشرط ينقسم إلى واجب وممكن وعلة ومعلول وجوهر وعرض وهذا موضوع العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولواحقه ومن المعلوم أن الوجود المنقسم إلى واجب وممكن لا يكون هو الوجود الواجب المطلق بشرط الإطلاق وهو الذي يسمونه الكلى الطبيعي ويتنازعون في وجوده في الخارج والتحقيق أنه يوجد في الخارج معينا لا كليا فما هو كلى في الأذهان يوجد في الأعيان لكن لا يوجد كليا فمن قال الكلي الطبيعي موجود في الخارج وأراد هذا المعنى فقد أصاب وأما إن قال إن في الخارج ما هو كلي في الخارج كما يقتضيه كلام كثير من هؤلاء الذين تكلموا في المنطق والإلهيات وادعى أن في الخارج إنسانا مطلقا كليا وفرسا مطلقا كليا وحيوانا مطلقا                                                                                                    كليا فهو مخطئ حطأ ظاهرا سواء ادعى أن هذه الكليات مجردة عن الأعيان أزلية كما يذكرونه عن أفلاطون ويسمون ذلك المثل الأفلاطونية أو أدعى أنها لا تكون إلا مقارنة للمعينات أو ادعى أن المطلق جزء من المعين كما يذكرونه عن أرسطو وشيعته كابن سينا وأمثاله ويقولون إن النوع مركب من الجنس والفصل وإن الإنسان مركب من الحيوان والناطق والفرس مركب من الحيوان والصاهل فإن هذا إن أريد به أن الإنسان متصف بهذا وهذا فهذا حق ولكن الصفة لا تكون سبب وجود الموصوف ولا متقدمة عليه لا في الحس ولا في العقل ولا يكون الجوهر القائم بنفسه مركبا من عرضين وإن أراد به أن الإنسان الموجود في الخارج فيه جوهران قائمان بأنفسهما أحدهما الحيوان والآخر الناطق فهذا مكابرة للعقل والحس وإن أريد بهذا التركيب تركيب الإنسان العقلي المتصور في الأذهان لا الموجود في الأعيان فهذا صحيح لكن ذلك الإنسان هو بحسب ما يركبه الذهن فإن ركبه من الحيوان والناطق تركب منهما وإن ركبه من الحيوان والصاهل تركب منهما فدعوى المدعي أن إحدىالصفتين ذاتية مقومة للموصوف لا يتحقق بدونها لا في الخارج ولا في الذهن والأخرى عرضية يتقوم الموصوف بدونها مع كونها مساوية لتلك في اللزوم تفريق بين المتماثلين والفروق التي يذكرونها بين الذاتي والعرضي اللازم للماهية هي ثلاثة وهي فروق منتقضة وهم معترفون بانتقاضها كما يعترف بذلك ابن سينا ومتبعوه شارحو الإشارات وكما ذكره صاحب المعتبر وغيرهم والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع وكذلك الكلام على قولهم وقول من وافقهم من القائلين بوحدة الوجود في وجود واجب الوجود مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا كلام جملي على ما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهذا كله مبسوط في مواضعه                                                                                                                             لكن هذا الإمامي لما أخذ يذكر عن طائفته أنهم المصيبون في التوحيد دون غيرهم احتجنا إلى التنبيه على ذلك فنقول أما ما ذكره من لفظ الجسم وما يتبع ذلك فإن هذا اللفظ لم ينطق به في صفات الله تعالى لا كتاب ولا سنة لا نفيا ولا إثباتا ولا تكلم به أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم لا أهل البيت ولا غيرهم ولكن لما ابتدعت الجهمية القول بنفى الصفات في آخر الدولة الأموية ويقال إن أول من ابتدع ذلك هو الجعد بن درهم معلم مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية وكان هذا الجعد من حران وكان فيها أئمة الصابئة والفلاسفة والفارابي كان قد أخذ الفلسفة عن متى ثم دخل إلى حران فأخذ ما أخذه منها عن أولئك الصابئة الذين كانوا بحران وكانوا يعبدون الهياكل العلوية ويبنون هيكل العلة الأولى هيكل العقل الأول هيكل النفس الكلية هيكل زحل هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل الشمس هيكل الزهرة هيكل عطارد هيكل القمر ويتقربون بما هو معروف عندهم من أنواع العبادات والقرابين والبخورات وغير ذلكوهؤلاء هم أعداء إبراهيم الخليل الذي دعاهم إلى عبادة الله وحده وكان مولده عند أكثر الناس إما بالعراق أو بحران كما في التوراة ولهذا ناظرهم في عبادة الكواكب والأصنام وحكى الله عنه أنه لما رأى كوكبا قال هذا ربي إلى قوله لاأحب الآفلين إلى قوله فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (سورة الأنعام). الآيات وقد ظن طائفة من الجهمية والمعتزلة وغيرهم أن مراده بقوله هذا ربي أن هذا خالق العالم وأنه استدل بالأفول وهو الحركة والإنتقال على عدم ربوبيته وزعموا أن هذه الحجة هي الدالة على حدوث الأجسام وحدوث العالم                                                                                                                               وهذا غلط من وجوه أحدها أن هذا القول لم يقله أحد من العقلاء لا قوم إبراهيم ولا غيرهم ولا توهم أحدهم أن كوكبا أو القمر أو الشمس خلق هذا العالم وإنما كان قوم إبراهيم مشتركين يعبدون هذه الكواكب زاعمين أن في ذلك جلب منفعة أو دفع مضرة على طريقة الكلدانيين والكشدانيين وغيرهم من المشركين أهل الهند وغيرهم وعلى طريقة هؤلاء صنف الكتاب الذي صنفه أبو عبدالله بن الخطيب الرازي في السحر والطلسمات ودعوة الكواكب وهذا دين المشركين منالهند والخطأ والنبط والكلدانيين والكشدانيين وغير هؤلاء ولهذا قال الخليل يا قوم إني برئ مما تشركون (سورة الأنعام). وقال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (سورة الشعراء). وأمثال ذلك وأيضا فالأفول في لغة العرب هو المغيب والإحتجاب ليس هو الحركة والإنتقالوأيضا فلو كان احتجاجه بالحركة والإنتقال لم ينتظر إلى أن يغيب بل كان نفس الحركة التي يشاهدها من حين تطلع إلى أن تغيب هي الأفول وأيضا فحركتها بعد المغيب والإحتجاب غير مشهودة ولا معلومة وأيضا فلو كان قوله هذا ربي أي هذا رب العالمين لكانت قصة إبراهيم عليه السلام حجة عليهم لأنه حينئذ لم تكن الحركة عنده مانعة من كونه رب العالمين وإنما المانع هو الأفول ولما حرف هؤلاء لفظ الأفول سلك ابن سينا هذا المسلك                                                                                                                                    في إشاراته فجعل الأفول هو الإمكان وجعل كل ممكن آفلا وأن الأفول هوى في حظيرة الإمكان وهذا يستلزم أن يكون ما سوى الله آفلا ومعلوم أن هذا من أعظم الإفتراء على اللغة والقرآن ومن أعظم القرمطة ولو كان كل ممكن آفلا لم يصح قوله فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فإن قوله فلما أفل يقتضى حدوث الأفول له وعلى قول هؤلاء المفترين على اللغة والقرآن الأفول لازم له لم يزل ولا يزال آفلا ولو كان مراد إبراهيم بالأفول الإمكان والإمكان حاصل في الشمس والقمر والكوكب في كل وقت لم يكن به حاجة إلى أن ينتظر أفولها وأيضا فجعل القديم الأزلي الواجب بغيره أزلا وأبدا ممكنا قول انفرد به ابن سينا ومن تابعه وهو قول مخالف لجمهور العقلاء من سلفهم وخلفهموالمقصود هنا أنه لما ظهرت الجهمية نفاة الصفات تكلم الناس في الجسم وفي إدخال لفظ الجسم في أصول الدين وفي التوحيد وكان هذا من الكلام المذموم عند السلف والأئمة فصار الناس في لفظ الجسم على ثلاثة أقوال طائفة تقول إنه جسم وطائفة تقول ليس بجسم وطائفة تمتنع عن إطلاق القول بهذا وهذا لكونه بدعة في الشرع أو لكونه في العقل يتناول حقا وباطلا فمنهم من يكف عن التكلم في ذلك ومنهم من يستفصل المتكلم فإن ذكر في النفي أو الإثبات معنى صحيحا قبله وعبر عنه بعبارة شرعية لا يعبر عنها بعبارة مكروهة في الشرع وإن ذكر معنى باطلا رده وذلك أن لفظ الجسم فيه اشتراك بين معناه في اللغة ومعانيه المصطلح عليها وفي المعنى منازعات عقلية فيطلقه كل قوم بحسب اصطلاحهم وحسب اعتقادهم فإن الجسم عند أهل اللغة هو البدن أو البدن ونحوه مما هو غليظ كثيف هكذا نقله غير واحد من أهل اللغة ومنه قوله تعالى وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم (سورة المنافقون). وقوله تعالى وزاده بسطة في العلم والجسم (سورة البقرة). ثم قد يعنى به نفس الشيء الغليظ الكثيف وقد يعنى به نفس غلظه وكثافته                                                                                                      وعلى هذا فالزيادة في الجسم الذي هو الطول والعرض وهو القدر وعلى الأول فالزيادة في نفس المقدر الموصوف وقد يقال هذا الثوب له جسم أي غلظ وثخن ولا يسمى الهواء جسما ولا النفس الخارج من فم الإنسان ونحو ذلك عندهم جسما وأما أهل الكلام والفلسفة فالجسم عندهم أعم من ذلك كما أن لفظ الجوهر في اللغة أخص من معناه في اصطلاحهم فإنهم يعنون بالجوهر ما قام بنفسه أو المتحيز أو ما إذا وجد كان وجوده لا في موضع أي لا في محل يستغنى عنه والجوهر في اللغة الجوهر المعروف ثم قد يعبرون عن الجسم بأنه ما يشار إليه أو ما يقبل الإشارة الحسية بأنه هنا أو هناك وقد يعبرون عنه بما قبل الأبعاد الثلاثة الطول والعرض والعمق أو بما كان فيه الأبعاد الثلاثة الطول والعرض والعمق ولفظ البعد الطول والعرض والعمق في اصطلاحهم أعم منمعناه في اللغة فإن أهل اللغة يقسمون الأعيان إلى طويل وقصير والمسافة والزمان إلى قريب وبعيد والمنخفض من الأرض إلى عميق وغير عميق وهؤلاء عندهم كل ما يراه الإنسان من الأعيان فهو طويل عريض عميق حتى الحبة بل الذرة وما هو أصغر من ذرة هو في اصطلاحهم طويل عريض عميق وقد يعبرون عن الجسم بالمركب أو المؤلف ومعنى ذلك عندهم أعم من معناه في اللغة فإن المركب والمؤلف في اللغة ما ركبه مركب أو ألفه مؤلف كالأدوية المركبة من المعاجين والأشربة ونحو ذلك وبالمركب ماركب على غيره أو فيه كالباب المركب في موضعه ونحوه ومنه قوله تعالى في أي صورة ما شاء ركبك سورة الإنفطار وبالتأليف التوفيق بين القلوب ونحو ذلك ومنه قوله تعالى والمؤلفة                                                                                                                           قلوبهم (سورة التوبة). وقوله وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (سورة الأنفال). وقوله إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا (سورة آل عمران). وللناس اصطلاحات في المؤلف والمركب كما للنحاة اصطلاح فقد يعنون بذلك الجملة التامة وقد يعنون به ما ركب تركيب مزج كبعلبك وقد يعنون به المضاف وما يشبهه وهو ما ينصب في النداء وللمنطقيين ونحوهم من أهل الكلام اصطلاحات أخر يعنون به ما دل جزؤه على جزء معناه فيدخل في ذلك المضاف إذا قصد به الإضافة دون العلمية فلا يدخل فيه بعلبك ونحوه ومنهم من يسوى بين المؤلف والمركب ومنهم من يفرق بينهما وهذا كله تأليف في الأقوال وأما التأليف في الأعيان فأولئك إذا قالوا إن الجسم هو المؤلف والمركب لم يعنوا به ما كان مفترقا فاجتمع ولا ما يقبل التفريق بل يعنون به ما تميز منه جانب عن جانب كالشمس والقمر وغيرهما من الأجسام وأما المتفلسفة فالمؤلف والمركب عندهم أعم من هذا يدخلون                                                                                                          وفي ذلك تأليفا عقليا لا يوجد في الأعيان ويدعون أن النوع مؤلف من الجنس والفصل فإذا قلت الإنسان حيوان ناطق قالوا الإنسان مؤلف من هذين وإنما هو موصوف بهما ثم تنازع هؤلاء في الجسم هل هو مركب من أجزاء لا تقبل القسمة وهي الجوهر الفرد عندهم وهو شيء لم يدركه أحد بحسه وما من شيء نفرضه إلا وهو أصغر منه عند القائلين به أو مركب من المادة والصورة تركيبا عقليا وإذا حقق الأمر عليهم في المادة لم يوجد إلا نفس الجسم وأعراضه تارة يعنى بالمادة الجسم الذي هو جوهر والصورة شكله واتصاله القائم به وتارة يعنى بالصورة نفس الجسم الذي هو الجوهر وبالمادة القدر المطلق الذي يعم الأجسام كلها أو يعنى بها ما منه خلق الجسم وقد يعنى بالصورة العرضية التي هي الإتصال والشكل القائم به فالجسم هو المتصل والصورة هي الإتصال فالصورة هنا عرض والمادة الجسم كالصورة الصناعية كشكل السرير فإنه صورته والخشب مادتهولفظ المادة والهيولي يعنى به عندهم هذه الصورة الصناعية وهي عرض يحدث بفعل الآدميين ويعنى به الصورة الطبيعية وهي نفس الأجسام وهي جواهر ومادة وما منها خلقت وقد يعنى بالمادة المادة الكلية وهي ما تشترك فيه الأجسام من القدر ونحوه وهذه كليات حاصلة في الأذهان وهي في الخارج معينة إما أعراض وإما جواهر وقد يعنى بالمادة المادة الأزلية وهي المجردة عن الصورة وهذه يثبتها أفلاطن وسائر العقلاء أنكروها وفي الحقيقة هي ثابتة في الذهن لا في الخارج والأجسام مشتركة في كون كل واحد منها له قدر يخصه فهي مشتركة في نوع المقدار لا في عينه فصارت الأجسام مشتركة في المقدار فقالوا بينها مادة مشتركة وهيولي مشتركة ولم يهتدوا إلى الفرق بين الإشتراك في الكلي المطلق والإشتراك في الشيء المعين فاشتراك الأجسام في الجسمية والإمتداد والمقدار الذي يظن أنه المادة ونحو ذلك كاشتراك الناس في الإنسانية واشتراك الحيوانات في الحيوانية
                                                                     
                                                                    وهؤلاء ظنوا أن هذه الكليات موجودة في الخارج مشتركة وذلك غلط فإن ما في الخارج ليس فيه اشتراك بل لكل موجود شيء يخصه لا يشركه فيه غيره والإشتراك يقع في الأمور العامة الكلية المطلقة وتلك لا تكون عامة مطلقة كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان فما فيه الإشتراك ليس فيه إلا العلم والعقل وما به الإختصاص والإمتياز وهو الموجود في الخارج لا اشتراك فيه وإنما فيه اشتباه وتماثل يسمى اشتراكا كالاشتراك في المعنى العام والإنقسام بحسب الإشتراك فمن لم يفرق بين قسمة الكلى إلى جزئياته والكل إلى أجزاء كقسمة الكلمة إلى اسم وفعل وحرف وإلا غلط كما غلط كثير من الناس في هذا الموضع ولما قالت طائفة من النحاة كالزجاجي وابن جنى الكلام ينقسمإلى اسم وفعل وحرف أو الكلام كله ثلاثة اسم وفعل وحرف اعترض على ذلك من لم يعرف مقصودهم ولم يجعل القسمة نوعين كالجزولي حيث قال كل جنس قسم إلى أنواعه أو أشخاصه أو نوع قسم إلى أشخاصه فاسم المقسوم صادق على الأنواع والأشخاص وإلا فليست أقساما له وكلام أبي البقاء في تفسير ابن جنى أقرب حيث قال معناه أجزاء الكلام ونحو ذلكومن المعلوم أن قسمة كل الشيء الموجود في الخارج إلى أبعاضه وأجزائه أشهر من قسمة المعنى العام الذي في الذهن إلى أنواعه وأشخاصه كقوله تعالى ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (سورة القمر). وقوله وإذا حضر القسمة أولو القربى (سورة النساء). وقوله عليه الصلاة والسلام والله إنى ما أعطى أحدا ولا أمنع أحدا وإنما أنا قاسم أقسم بينكم وقوله لا تعضية في الميراث إلا ما حمل القسم وقول الصحابة رضوان الله                                                                                                                                                                                                                                عليهم قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض خيبر بين من حضر الحديبية وقسم غنائم حنين بالجعرانة مرجعه من الطائف وقسم ميراث سعد بن الربيع وقول الفقهاء باب قسم الغنائم والفئ والصدقات وقسمة الميراث وباب القسمة وذكر المشاع والمقسوم وقسمه الإجبار والتراضي ونحو ذلك وقول الحاسب الضرب والقسمة إنما يراد به قسمة الأعيان الموجودة في الخارج فيأخذ أحد الشريكين قسما والآخر قسما وليس كل اسممن أسماء المقسوم يجب أن يصدق على كل منهما منفردا فإذا قسم بينهم جزور فأخذ هذا فخذا وهذا رأسا وهذا ظهرا لم يكن اسم الجزور صادقا على هذه الأبعاض وكذلك لو قسم بينهم شجرة فأخذ هذا نصف ساقها وهذا نصفا وهذا أغصانها لم يكن اسم المقسوم صادقا على الأبعاض ولو قسم بينهم سهم كما كان الصحابة يقسمون فيأخذ هذا القدح وهذا النصل لم يكن هذا سهما ولا هذا سهما فإذا كان اسم المقسوم لا يقع إلا حال الإجتماع زال بالإنقسام وإن كان يقال حال الإجتماع والإفتراق كانقسام الماء والتمر ونحو ذلك صدق فيهما وعلى التقديرين فالمقسوم هنا موجودات في الخارج وإذا قلنا الحيوان ينقسم إلى ناطق وبهيم لم نشر إلى حيوان معين موجود في الخارج فنقسمه قسمين بل هذا اللفظ والمعنى يدخل فيه ما كان وما لم يكن بعد ويتناول جزئيات لم تخطر بالذهن فهذه المعاني الكلية لا توجد في الخارج كلية فإذا قيل الأجسام تشترك في مسمى الجسم أو في المقدار المعين أو غير ذلك كان هذا المشترك معنى كليا والمقدار المعين                                                                                              لهذا الجسم ليس هو المقدار المعين لهذا الجسم المعين وإن كان مساويا له وأما إن كان أكبر منه فهنا اشتركا في نوع القدر لا في هذا القدر فالإشتراك الذي بين الأجسام هو في هذه الأمور وأما ثبوت شيء موجود في الخارج هو في هذا الإنسان وهو بعينه في هذا الإنسان فهو مكابرة سواء في ذلك المادة والحقائق الكلية ولكن هؤلاء ظنوا ما في الأذهان ثابتا في الأعيان والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا أن هذا الباب التأليف والتركيب في اصطلاح هؤلاء المتفلسفة من المتكلمين والمنطقيين ومن وافقهم هو نوع آخر غير تلك الأنواع والمركب لا بد له من مفرد وإذا حقق الأمر على هؤلاء لم يوجد عندهم معنى مفرد يتركب منه هذه المؤلفات وإنما يوجد ذلك في الأذهان لا في الأعيان فالبسيط المفرد الذي يقدرونه كالحيوانية المطلقة والجسمية المطلقة وأمثال ذلك لا يوجد في الخارج إلا صفات معينة لموصوفات معينة فهذه الأمور مما تدخل في لفظ المؤلف والمركب بحسب الإصطلاحات الوضعية مع ما فيها من الإعتبارات العقلية                                                                                                     وهم متنازعون في الجسم هل هو مؤلف من الجواهر المفردة التي لا تقبل الإنقسام كما يقوله كثير من أهل الكلام أو مؤلف من المادة والصورة كما يقوله كثير من المتفلسفة أولا مؤلف لا من هذا ولا من هذا كما يقوله كثير من الطوائف على ثلاثة أقوال أصحها الثالث وكل من أصحاب الأقوال الثلاثة متنازعون هل يقبل القسمة إلى غير نهاية والصحيح أنه لا يقبل الإنقسام إلى غير نهاية لكن مثبتة الجوهر الفرد يقولون ينتهي إلى حد لا يقبل القسمة مع وجوده وليس كذلك بل إذا تصغرت الأجزاء استحالت كما في أجزاء الماء إذا تصغرت فإنها تستحيل فتصير هواء فما دامت موجودة فإنه يتميز منها جانب عن جانب فلا يوجد شيء لا يتميز بعضه عن بعض كما يقوله مثبتة الجوهر الفرد ولا يمكن انقسامه إلى مالا يتناهى بل إذا صغرلم يقبل القسمة الموجودة في الخارج وإن كان بعضه غير البعض الآخر بل إذا تصرف فيه بقسمة أو نحوها استحال فالأجزاء الصغيرة ولو عظم صغرها يتميز منها شيء عن شيء في نفسه وفي الحس والعقل لكي لا يمكن فصل بعضه عن بعض بالتفريق بل يفسد ويستحيل لضعف قوامه عن احتمال ذلك وبسط هذا له موضع آخر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق