الرد عل عدنان ابراهيم الفيلسوف=إقامة البرهان في الرد على من أنكر خروج المهدي والدجال ونزول المسيح في آخر الزمان=بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد رأيت في المجلة المسماة [المسلمون] مقالا لعبدالكريم الخطيب أنكر فيه ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ظهور المهدي في آخر الزمان، وما أخبر به من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام، وهذه جراءة عظيمة وخطيرة جدا، لأن إنكار الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومقابلتها بالرد والاطراح، يدل على الاستخفاف بأقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويستلزم مشاقته واتباع غير سبيل المؤمنين، وقد قال الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} وقال تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} وليس إنكار الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمر الهين، لأن الله تعالى يقول: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله). وهذا يدل على وجوب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما كان في الماضي، وما يكون في المستقبل، ويدل أيضا على أن عصمة الدم والمال إنما تكون لمن آمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبكل ما جاء به، ومن لم يؤمن به وبما جاء به فليس بمعصوم الدم والمال، وفي هذا أبلغ تشديد على من يرد الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويعارضها برأيه أو برأي غيره.
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: من رد حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو على شفا هلكة. وقال إسحاق بن راهوية: من بلغه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر. وقال أبو محمد البربهاري في شرح السنة: إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها، أو ينكر شيئا من أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتهمه على الإسلام فإنه رجل رديء المذهب والقول، وإنما يطعن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه. وقال أيضا: لا يخرج أحد من أهل القبلة عن الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل، أو يرد شيئا من آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله، فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام. وقال أيضا: من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم.
وقال إبراهيم بن أحمد بن شاقلا: من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع في سندها، ولا جرح في ناقليها وتجرأ على ردها فقد تهجم على رد الإسلام. وقال ابن حزم في كتاب الأحكام: جاء النص ثم لم يختلف فيه مسلمان في أن ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قاله ففرض اتباعه، وأنه تفسير لمراد الله في القرآن وبيان مجمله. انتهى.
وإذا علم ما ذكرته من الآيات والحديث وأقوال أهل العلم في التشديد على الذين يردون الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فليعلم أيضا أنه قد ثبت في ظهور المهدي في آخر الزمان عشرة أحاديث، وقد ذكرتها وذكرت كلام العلماء في تصحيحها في أول كتاب (الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر) فلتراجع هناك.
وأما خروج الدجال فقد جاء فيه أكثر من مائة وتسعين حديثا من الصحاح والحسان، وقد ذكرتها في الجزء الثاني من (إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة) فلتراجع هناك. وقد تواترت الأحاديث في خروج الدجال من وجوه متعددة ذكرتها في (إتحاف الجماعة) ولو لم يكن منها سوى الأمر بالاستعاذة من فتنة الدجال في كل صلاة لكان ذلك كافيا في إثبات خروجه، والرد على من أنكر ذلك، وقد روى عبدالرزاق بإسناد حسن، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إنه سيخرج بعدكم قوم يكذبون بالرجم ويكذبون بالدجال ويكذبون بالحوض ويكذبون بعذاب القبر ويكذبون بقوم يخرجون من النار. وهذا الأثر له حكم المرفوع لأن فيه إخبارا عن أمر غيبي وذلك لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وقد ظهر مصداق ما جاء فيه من التكذيب بالدجال وغيره، فأنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه، ذكر ذلك ابن كثير في النهاية قال: وخرجوا بذلك عن حيز العلماء لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكر النووي في شرح مسلم أن مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار إثبات خروج الدجال خلافا لمن أنكره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة. انتهى.
وقد تبع الخوارج والجهمية والمعتزلة على إنكار خروج الدجال كثير من المنتسبين إلى العلم في زماننا وقبله بزمان، وأنكر بعضهم كثيرا من أشراط الساعة مما هو ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعضهم يتأولها على ما يوافق عقليته الفاسدة، وقد ذكرت بعض أقوالهم في (إتحاف الجماعة) فلتراجع هناك. ولو كان الذين أشرنا إليهم أهل علم على الحقيقة لما ردوا شيئا من الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكانوا يقابلونها بالرضا والقبول والتسليم.
وأما نزول عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام في آخر الزمان، فقد جاء فيه آيات من القرآن، وتواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإخبار بنزوله، وأنه يقتل الدجال ويكون في هذه الأمة حكما عدلا وإماما مقسطا، وجاء في ذلك آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين، وذكر بعضهم الإجماع على نزوله، وأنه لم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة، وإنما أنكره الفلاسفة والملاحدة ممن لا يعتد بخلافهم، وقد ذكرت ذلك مستوفى في (إتحاف الجماعة) فليراجع هناك.
وأما ما جاء في العنوان الأول عن نزول عيسى في آخر لزمان هو حقيقة يؤكدها القرآن أم مسألة تتنافى مع الإسلام؟
فجوابه أن يقال: بل نزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان حقيقة يؤكدها القرآن، قال الله تعالى في صفة رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى} وقد تواترت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان، فيجب الإيمان بذلك لقول الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} وقد جاء في ذلك آيتان من القرآن:
إحداهما: قول الله تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قبل موت عيسى بن مريم. رواه ابن جرير بإسناد صحيح. وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: خروج عيسى بن مريم. قال الحاكم: صحيح
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق